ابن قيم الجوزية
271
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أنواع الإنابة و « الإنابة » إنابتان : إنابة لربوبيته . وهي إنابة المخلوقات كلها . يشترك فيها المؤمن والكافر ، والبر والفاجر . قال اللّه تعالى : وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [ الرّوم : 33 ] فهذا عامّ في حق كل داع أصابه ضر . كما هو الواقع . وهذه « الإنابة » لا تستلزم الإسلام ، بل تجامع الشرك والكفر . كما قال تعالى في حق هؤلاء : ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ [ الرّوم : 33 - 34 ] فهذا حالهم بعد إنابتهم . و « الإنابة » الثانية إنابة أوليائه . وهي إنابة لإلهيته ، إنابة عبودية ومحبة . وهي تتضمن أربعة أمور : محبته ، والخضوع له ، والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه . فلا يستحق اسم « المنيب » إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع . وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك . وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم . و « المنيب » إلى اللّه : المسرع إلى مرضاته ، الراجع إليه كل وقت . المتقدم إلى محابه . قال صاحب المنازل : « الإنابة في اللغة : الرجوع . وهي ههنا الرجوع إلى الحق . وهي ثلاثة أشياء : الرجوع إلى الحق إصلاحا ، كما رجع إليه اعتذارا . والرجوع إليه وفاء ، كما رجع إليه عهدا . والرجوع إليه حالا ، كما رجعت إليه إجابة » . لما كان التائب قد رجع إلى اللّه بالاعتذار والإقلاع عن معصيته ، كان من تتمة ذلك : رجوعه إليه بالاجتهاد ، والنصح في طاعته . كما قال إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [ الفرقان : 70 ] وقال إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا [ البقرة : 160 ] فلا تنفع توبة وبطالة . فلا بد من توبة وعمل صالح : ترك لما يكره ، وفعل لما يحب ، تخلّ عن معصيته . وتحلّ بطاعته . وكذلك الرجوع إليه بالوفاء بعهده ، كما رجعت إليه عند أخذ العهد عليك . فرجعت إليه بالدخول تحت عهده أولا . فعليك بالرجوع بالوفاء بما عاهدته عليه ثانيا . والدين كله : عهد ووفاء . فإن اللّه أخذ عهده على جميع المكلفين بطاعته . فأخذ عهده على أنبيائه ورسله على لسان ملائكته ، أو منه إلى الرسول بلا واسطة كما كلّم موسى . وأخذ عهده على الأمم بواسطة الرسل . وأخذ عهده على الجهال بواسطة العلماء . فأخذ عهده على هؤلاء بالتعليم ، وعلى هؤلاء بالتعلم . ومدح الموفين بعهده . وأخبر بما لهم عنده من الأجر ، فقال : وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [ الفتح : 10 ] وقال : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 34 ] وقال : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [ النّحل : 91 ] وقال : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا [ البقرة : 177 ] . وهذا يتناول عهودهم مع اللّه بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطاعة . وعهودهم مع الخلق . وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن من علامات النفاق « الغدر بعد العهد » . فما أناب إلى اللّه من خان عهده وغدر به . كما أنه لم ينب إليه من لم يدخل تحت عهده . فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به .